وفاقاً لما هو المشهور بين الفقهاء، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات بعضهم كما هو الحال في البيع من اختصاص اللزوم بما إذا كان الإيجاب باللفظ، أمّا بغيره فهو محكوم بالجواز ما لم يطرأ عليه اللزوم.
و المشهور أنّ الملزم إمّا التلف أو التصرّف المغيّر للعين لا مطلقاً كما يقتضيه إطلاق عبارة المتن، بحيث لو سكن في الدار المستأجرة يوماً أو يومين من غير حدوث تغيير في العين لم يكن له الفسخ، إلّا أن يقال: إنّ ذلك يستوجب إتلاف مقدار من المنفعة بطبيعة الحال، و قد عرفت أنّ الإتلاف بنفسه موجب للّزوم.
و لكنّه لا يطّرد فيما لو حصل التصرّف المزبور في جانب الأُجرة، كما لو كانت ثوباً مثلًا فلبسه يوماً من غير أن يحدث في العين شيئاً، فإنّ مثل هذا التصرّف لأجل عدم كونه مغيّراً لا يستوجب اللزوم عند المشهور، مع أنّ مقتضى إطلاق كلام الماتن حصوله به.
و كيفما كان، فما عليه القوم من جواز المعاطاة لا تمكن المساعدة عليه، بل مقتضى الصناعة لزومها و أنّ كلّ عقد لفظي أو فعلي متى ما تحقّق و ترتّب عليه الملك و حصل به النقل كما هو المفروض فالردّ بالفسخ يحتاج إلى الدليل، و إلّا فمقتضى القاعدة اللزوم:
أمّا أوّلًا: فللسيرة العقلائيّة القائمة على نفوذ المعاملة بعد تحقّق العقد العرفي بأيّ سبب كان، و أنّه ليس لأحد المتعاملين الرجوع بعد تماميّة العقد بفسخه، و لا شكّ أنّ السيرة المزبورة متّبعة ما لم يردع عنها الشارع، و لم يرد هنا أيّ رادع و مانع.
و ثانياً: مع الغضّ عنها يدلّ عليه الأمر بالوفاء في قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، إذ الوفاء هو الإنهاء و الإتمام و البقاء على الالتزام و عدم رفع اليد عنه بالفسخ و هو معنى اللزوم، و من المعلوم أنّ العقد بمفهومه العرفي يعمّ القولي و الفعلي.
و ثالثاً: ما ورد في عدّة من الأخبار من أنّ: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» «۱»، حيث دلّت بوضوح على أنّ مبنى البيع على اللزوم بعد الافتراق، و لا ينبغي الشكّ في صدق البيع على المعاطاة،
فيقال من غير أيّة عناية: إنّه باع داره مثلًا إذ لا يعتبر اللفظ في صدق هذا العنوان بمفهومه العرفي قطعاً، فتدلّ هذه الأخبار على اللزوم بالافتراق و إن لم يكن ثمّة لفظ بمقتضى الإطلاق.
و عليه، فإذا ثبت اللزوم في البيع المعاطاتي ففي الإجارة المعاطاتيّة أيضاً كذلك، إمّا للأولويّة نظراً إلى أنّ البيع يتضمّن نقل الأعيان التي هي أولى بالاهتمام من الإجارة التي ليس في موردها ما عدا نقل المنافع فحسب، و لذلك ترى أنّ بعضهم يرى قدح الغرر في البيع، و تأمّل في الإجارة ممّا يكشف عن المداقّة و مزيد العناية بالبيع. أو للقطع بعدم القول بالفصل بينهما في ذلك.
و كيفما كان، فمقتضى هذه الأدلّة الالتزام باللزوم في مطلق العقود و إن كان الإنشاء بالمعاطاة لا باللفظ.
و ليس شي ء بإزائها ما عدا الإجماع المدّعى في كلمات غير واحد على عدم اللزوم، و أنّ في مورد المعاطاة لم يكن إلّا الملك المتزلزل، فإن تحقّق ذلك لم يكن بدّ من رفع اليد عن مقتضى القاعدة بالمقدار المتيقّن خروجه منها، و إلّا فالمتّبع هي تلك الأدلّة.
و الظاهر عدم التحقّق.
و الوجه فيه: أنّ المنقول من كلمات المتقدّمين من الفقهاء و جملة من المتأخّرين و إن كان هو عدم اللزوم إلّا أنّ ذلك مبني على ما يرتؤونه من أنّ المعاطاة لا تفيد إلّا الإباحة، فلا ملكيّة حتى يقال: إنّها لازمة أو جائزة، فعدم اللزوم من باب السالبة بانتفاء الموضوع.
نعم، حاول المحقّق الكركي حمل الإباحة في كلماتهم على إرادة الملك المتزلزل، و أقام بعض الشواهد «۱».
تیم سلوستریا...ما را در سایت تیم سلوستریا دنبال میکنید
برچسب: نویسنده: بازدید: 41